الـمراقبة

                              الـمراقبة

المراقبة هي:مراعاة القلب لملاحظة الحق  مع كل خطرة وخطوة. وقيل من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه.

وبقدر سيطرة الشعور به على القلب يكون مستوى المراقب ويكون مستوى السلوك

فالمراقبة باب عظيم من أبواب الرقيُّ الرباني  والاتصال الوجداني حيث تنعكس شفافية الروح على مراقبة السلوك, فهي التي تضبط العلاقات الاجتماعية بالضابط الأخلاقي ؛ لأن المراقب لله يتقي في سلوكه غضبة من يراقبه ويرجو ثوابه.

ما أعظم الشعور بالله - عز وجل - والإحساس بربوبيته وألوهيته وهيمنته. فلا مجال  في القلب لغيره ولا مقام لسواه.

 إن المراقبة شعور قلبي مبنيٌ على عقيدة راسخة ، ويقين جازم, بالمشرع الذي شرع قوانين الحياة والأخلاق والتعامل بين بني الإنسان , فلا رقابة أقوى من رقابة, يمكنها أن تصنع حياة فاضلة وهذه تتمثل في رقابة الحق سبحانه وتعالى, وغير ها محكوم عليها بالفشل, وقد جُربت الرقابات الأرضية على بعض المجتمعات الغربية لفرض سلوك معين مثل ترك الخمر وغيره, فلم تنجح رغم بذل جهود كبيرة , وأنفاق ملاين الدولارات في التوعية والتعبية لذلك ولكن دون جدوى . بالمقابل هناك مليار ونصف المليار من المسلمين لايتعطون الخمور؛نتيجة الرقابة الذاتية, لله عز وجل.وهكذا بقية السلوك الأخلاق تنجح إذا قوية الصلة بالمراقب.ويوم تغيب هذه الصلة تغيب المراقبة , وعندها لا يمكن أن يثبت فرد أو مجتمع على خلق , والمتأمل للحضارة الغربية اليوم والتي قامة على بعض القيم  في بدايتها, على ما فيها من سلبيات, هاهي اليوم تتهاوى وتنقلب عليها وتهدمها بيدها, وتمارس الإرهاب الدولي بأبشع صورة عرفها التاريخ البشري , فالمجازر التي مارستها أمريكا وأعوانها , في العراق وغزة وأفغانستان وغيرها , تحدث عن الوجه الحقيقي للغرب ووحشيته, ولو كان هناك رقابة لسلطة عليا فوقية سماوية , لكانت هناك أخلاق.ولما حدثت تلك المجازر الوحشية التي يشيب منها الوليد.

إن الشعور بوجود الله وهيمنته وتدبيره  هو المراقبة والخشية له في أبهى صوره.

 

 الإحساس برقابة الله عليك يولد مراقبتك له.

قال تعالى:{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا } (52) سورة الأحزاب.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (1) سورة النساء.

 يقول ابن عطاء في مناجاته (عَميتْ عينٌ لا تراكَ عليها رقيبا, وخسرتْ صفقة عبدٍ لم يجعل له من حظك نصيبا)[1].

وسئل ابن عطاء: ما أفضل الطاعات؟ فقال مراقبة الحق على دوام الأوقات.

وقال إبراهيم الخواص : المراعاة تورث المراقبة ,والمراقبة تورث خلوص السر والعلانية لله[2]

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل      خلوتُ ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفــل  لحظةً       ولا أن ما يخفى عليك يغيب

المراقبة هي عبادة  المحسنين

ففي الحديث المشهور الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بينما كنا جلوسا عند رسول الله r ذات يوم إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب ,شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد , حتى جلس إلى النبي r فأسند ركبته إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه , وقال يا محمد: أخبرني عن الإسلام , فقال رسول الله r :( الإسلام أن تشهد أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . قال : صدقت , فعجبنا له يسأله ويصدقه . قال فأخبرني عن الإيمان : قال أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ، قال صدقت . قال: فأخبرني عن الإحسان, قال: ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). قال: فأخبرني عن الساعة : قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال : فأخبرني عن أمارتها ، قال : أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان،ثم انطلق فلبثت ملياً ثم قال( يا عمر:أتدري من السائل? قلت:الله ورسوله أعلم. قال : فإنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم) رواه مسلم .

إن الشعور بأن الإرادة العليا هي مصدركل شيء ، يبعث على المراقبة . فهي عقيدة في الضمير يتولد بها السلوك في الواقع ، وهي الضابطة له ، وهي المانعة للنفس من غلوها. ]وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الجنة هي المأوى [سورة النازعات (40) فالمؤمن يراقب الله في كل تصرفاته ؛ لأنه يستشعر وجوده معه ، ويوقن بأنه يراه ويسمعه .قال تعالى : ] الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [ سورة الشعراء (218) (219) . وقال تعالى : ] وهو معكم أينما كنتم [. وقال تعالى : ] إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء [(5) سورة آل عمران. قال تعالى : ] إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ[ (14) سورة الفجر . وقال تعالى :] يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [(19) سورة غافر

من سمات المراقبة

إن المراقبة تولدالتقوى والعمل الصالح ، أي هي جملة الخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة والأعمال النبيلة الزكية التي يجسدها المؤمن ، فيرتقي إلى أعلى المنازل بسببها .  عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل - رضي الله عنهم - عن رسول الله r قال :( اتق الله حيثما كنت وأتبِع السيئة الحسنة تمحُها وخالق الناس بخلق حسن ) . رواه الترمذي وقال حديث حسن .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي r يوماً فقال : ( يا غلام ، إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ،وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رُفعت الأقلام وجفت الصحف ).رواه الترمذي .

المراقبة هي الغياب عن غير الله ,والاستغراق الشعوري بالله دون سواه, لذلك قال الشاعر مصوراً استغراق الحجيج في عرفات, مع الله دون سواه, بقوله:

 

 عرفات يغشاه الجلال لأنـه

 

 حِضن الوفود ومهبط الرحمـات

 

رغم الحشود فكل قلب ناظرٌ

 

 لله مجمــــوعٌ بغير شتات

متبتلا متوجهاً لله منكــسراً

 

يروم المحو للســـــوءات

 

" :راود رجل امرأة عن نفسها , في حال خلوة بها , فقالت له: أنت قد سمعت القرآن والحديث , فأنت أعلم. قال : فأغلقي الأبواب , فأغلقتها كلها! فلما دنا منها , قالت له : بقي باب لم أغلقه قال لها مستغرباَ : أي باب؟!فقالت والدموع تنحدر من عينيها: الباب الذي بينك وبين الله تعالى!أفاق الرجل من غفلته , وتركها لله تعالى , ولم يتعرض لها بسوء! [3]"

المراقبة ذِكْـر

فالمراقبة هي: ذكر الله الدائم الذي حثنا عليه القرآن الكريم , وجاءت به السنة المطهرة , ذلك أن المراقبة لله -عز وجل- نوع من أبلغ أنواع الذكر . فالمؤمن يكون بها قد ذكر الله عند كل مراقبة راقبه فيها . ولا يراقبه من لا يعرفه ولا يحبه.

لما علمتُ بأن قلبي فارغٌ       ممن سواك ملأته بهــواكا

فالقلب فيك هيامه وغرامه  والروح لا تنفك عن ذكراكا

المراقبة تعني الامتناع عما حرم الله تعالى

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال : ( إن الله تعالى يغار, وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه ) . متفق عليه .

      المراقبة :  دقة المحاسبة والأخذ بالعزيمة .

عن أنس رضي الله عنه قال : ( إنكم لتعملون أعمالاً هي أدقُّ في أعينكم من الشعر ، كُنا نعدها على عهد رسول r من الموبقات !! ) رواه البخاري.

وعن أبي يعلى شداد بن أوس الداري رضي الله عنه عن النبي r قال : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت, والعاجز من أتبع نفسه هواها, وتمنى على الله الأماني ) رواه الترمذي  وقال حديث حسن.

المراقبة منهج حياة ؛ فهي جملة التعاليم الإسلامية, فبها امتثال الأمر والنهي .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله r : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) . حديث حسن رواه الترمذي .

المراقبة  ورع

 كتب  أحد الإخوة في منتدى القصص رواية عن علي القرني من أحد أشرطته, فقال:"كان (المبارك) رجلا صالحا تقيا. وكان يعمل حارسا لبستان أحد الأغنياء, وظل في عمله فترة, حتى جاء يوما صاحب البستان ومعه بعض أصحابه، وطلب صاحب البستان من المبارك أن يحضر لضيوفه بعض الثمر,حضر المبارك بعض الثمر وقدمها للرجل وضيوفه. وكانت المفاجأة إنها كلها كانت حامضة! فقال صاحب البستان منزعجا: ما هذا يا رجل؟ أردت إحراجي أمام ضيفي فجلبت ثمراً حامضا , فقال المبارك :وكيف لي أن أعرف أن الثمر حامضا ؟! فقال صاحب البستان : ألا تعرف الفرق بين الثمر الحامض والثمر الطيب?! فقال المبارك: نعم لا أعرف يا سيدي , فاستغرب صاحب البستان وقال: تعمل كل هذه المدة في البستان ولا تعرف الفرق?! ألم تأكل يوما من ثمره ؟! فقال المبارك: لم آكل من ثمر البستان منذ عملت فيه، فلقد استعملتني للحراسة , ولم تأذن لي بالأكل من ثمره  , فعجب صاحب البستان من رد المبارك, ومضى  ,ولكن إجابات الحارس الأمين أثرت في صاحب البستان، فعمد إلى جيران البستان يسألهم عن المبارك فأثنوا عليه خيرا وتكلموا في ورعه وتقواه ، وبعد عدة أيام جاء صاحب البستان , وقال للمبارك: إني مستنصحك في أمر , فقال المبارك: وما هو؟فقال : صاحب البستان: لي ابنة شابة حبيبة إلى قلبي قد تكاثر خطابها , فبرأيك من زوجها ؟؟ فقال المبارك: يا سيدي إن العجم يزوجون للجمال, وإن العرب يزوجون للنسب, وإن المسلمين يزوجون للدين, فاختر لها ما شئت. فصمت الرجل برهة ثم قال : وأنا سأزوجها للدين وأخطبك أنت لها.فتزوجا وبارك الله لهما وأنجبا ولدا نجيبا سمياه: عبد الله بن المبارك. فكان من مؤسسي علم الحديث".

 يظهر خلق المراقبة في الخلوات.

  عنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا. قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوها[4]

.قال قتادة: ( ابن آدم، والله إن عليك لشهوداً غير متهمة, في بدنك، فراقبهم، واتق الله في سرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله ). وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ فصلت:23،22.(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً )النساء:108.قال ابن الأعرابي: ( آخر الخاسرين من أبدى للناس صالح أعماله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد ). وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ق:16). إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ                                                                كَرِيمٍ)يس:11) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)  وقال بعضهم: ( ليس الخائف من بكى فعصر عينيه، إنما الخائف من ترك ما اشتهى من الحرام إذا قدر عليه. إذا السر والإعلان في المؤمن استوى *   فقد عزّ في الدارين واستوجب الثنا فإن خالف الإعلان ســـراً فما له * على سعيه فضل سوى الكدّ والعنا.

      روي عن أبي جعفر السائح قال: ( كان حبيب أبو محمد تاجراً يكري الدراهم، فمر ذات يوم بصبيان فإذا هم يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا, فنكس رأسه، وقال: يا رب، أفشيت سري إلى الصبيان, فرجع فجمع ماله كله، وقال: يا رب، إني أسير، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح تصدق بالمال كله، وأخذ في العبادة، ثم مرّ ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد,فبكى، وقال: يا رب، أنت تذم مرة وتحمد مرة، وكله من عندك.قال سفيان الثوري: ( إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئاً ).        وودّع ابن عون رجلاً فقال: ( عليك بتقوى الله، فإن المتقي ليست عليه وحشة .قال زيد بن أسلم: ( كان يقال: من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا .نسأل الله عز وجل أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، وفي السر والعلانية.     من أعظم المراقبة استشعار فضل الله ونعمه والشكر عليها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي r يقول : (إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : لونٌ حسنٌ وجلدٌ حسنٌ ويذهب عني الذي قد قذرني الناس ؛ فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لوناً حسناً,  فقال : فأي المال أحب إليك ؟ قال الإبل _ أو قال البقر _ شك الراوي ، فأعطي ناقة عشراء , فقال : بارك الله لك فيها,  فأتى الأقرع فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : شَعر حسن ويذهب عنى هذا الذي قذرني الناس, فمسحه فذهب عنه, وأعطي شعراً حسناً , قال فأي المال أحب إليك ؟ قال : البقر فأعطي بقرة حاملاً قال بارك الله لك فيها , فأتى الأعمى فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : أن يرد الله بصري فأبصر الناس, فمسحه فرد الله إليه بصره . قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال الغنم, فأعطي شاة والداً ، فأنتج هذان وولد هذا ، فكان لهذا وادٍ من الإبل ، ولهذا وادٍ من البقر ، ولهذا وادٍ من الغنم، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال , بعيراً أتبلغُ به في سفري ، فقال : الحقوق كثيرة . فقال : كأني أعرفك ، ألم تكن أبرصا يقذرك الناس , فقيراً فأعطاك الله !؟ فقال : إنما ورثت هذا المال كابراًُ عن كابر . فقال : إن كُنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت . وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال: له مثلما قال لهذا ، ورد عليه مثل ما رد هذا فقال : إن كُنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كُنت . وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري, فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك !! أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري ؟ فقال : قد كُنت أعمى فردّ الله إلي بصري فخذ ما شئت , ودع ما شئت, فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل . فقال : أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك"متفق عليه والله نسأل أن يوزعنا شكره ويوفقنا لذكره ويرزقنا تعظيمه,فمن يحصيه حقه؟

 

مَهمَا كتبنَا في عُـلاهُ قَـصائداً   مـشْـبوبة ًيَـتـَقاصـرُ الـتـَّعــبيرُ

ملكُ الملـــــوكِ وليسَ شيءٌ مثلـهُ   عَجزَ المـصـوِّرُ عنـهُ والتَّصويرُ

لا تدركُ الأبصارُ كنهَ جلاله الْـ  أعـلـى ولا يُحصي ثناهُ شكورُ

فوقَ السَّماواتِ العلىَ عن وصفهِ    يـَتـَقاصرُ الـتَّـعـظـيمُ والـتَّـقـديرُ

نـُورُ السَّما والأرض مالكُ أمرهَـا    ما ندَّ عـن سـُـلـطَـانـهِ قــِطــمــيرُ

ملكٌ تَعالى في الوجـودِ مُهـيْمـنٌ  وبـأمـرهِ كُلُّ الــوجــودِ يُـسـيـرُ

الأرضُ تَـسـجـدُ والسَّماءُ ومابهَا    وإلــيهِ بعدَ وفاتِهـــا سَتَحُورُ

فالكونُ في سُبحَــــاتِ نُوركَ قَائمٌ    وبـِكــفــكَ الأقــدارُ والمــقــدورُ

لولاكَ ما انفطرَ الوجودُ ولا سَرىَ       في حَقلهِ الإبداعُ والتَّقديــــــــرُ

لـولاكَ ما وُرْقُ الحـَمـَام بـأيْـكـهَـا    تَشْدو ويَرقـصُ في الفـضاءِ صُـقُـورُ

ولمـا رأيْنـَا الـنـَّهرَ شَـقَّ فـجَـاجــهُ    والمــوجُ في كـبـدِ الـبِـحَــارِ يَـثــُورُ

لولاكَ ما نَـضَجتْ عنـاقـيـدُ الجَـنـَى     ولمــَا تـَفـجـرَ في الـصُّـخُـورِ غَـديـرُ

والجـدْولُ الـرَّقْرَاقُ يَسري ضَاحـكـاً    وعـلـى الـسُّـهولِ بشـَاشـةٌ وسُرورُ

وسـَنَـابـلُ الـوديـانِ تُحْـنـي رأسـهَـا    وعُـيـونُ وجْـهِ الْمُـعْـصِـرَاتِ مَـطـيرُ

لـولاكَ لم تَـغـدُ الـو هـادُ  نـَضـيرةً     يُـسـبى بِحُـسْـنِ جَمَــالهَـا الشُّحْرورُ

أبـداً ولا أرضُ البَرَاري أنـْبَـتَـتْ      عُـشـْبـاً وغَـنّـَتْ  فَـوقـَـــهُـنَّ طُـيـُورُ

ولَمـَـا جَــرتْ مِلْياَرُ آلفِ مَجــــرَّةٍ     وحُــدَاؤهــا التَّـسـْبـيـحُ والـتَّكـبـيرُ

لـولاكَ مـا انْسلخَ النـَّهارُ من الـدُّجىَ    ولمـــا تَـبسمَ في الحــيــاةِ عَــبـــيرُ
لولاكَ ما انْـفَـلـــقَ الـصَّباحُ ولاكَستْ   وجـهَ الـليــالــي الــدَّاجِـيَـاتِ بـُدورُ

مـنْ أتْـقـَنَ الإنـسـانَ ؟ قوَّمَ خَـلـقـهُ      حـُسـْنـاً فـمـا في الكـائِـنـَاتِ نَـظــيرُ

يـا مـن خَلقتَ الكونَ يَلهَــــجُ بالثَّنَا  كــلُّ الــوجُـودِ  إلى عـُلاكَ يُـشـيـرُ

فـلـك المحــــامدُ بامْتِدَادَاتِ المدَى     ما افترَّ ثَغْرٌ أو تَنــَفَّسَ نـُــــــورُ[5]

                               

 

 

 



[1]كتاب من بحر التوحيد  /صادق النور عزيز منااجات ابن عطاء في الأسحار

[2] أنظر صلاح الأمة  م5 صــــــــــ502/503

[3]من كتاب روضة المحبين لابن القيم قول إبراهيم بن الجنيد

[4]في سنن ابن ماجه - (ج 12 / ص 295)

[5]ديوان زنا بق الروح



أضف تعليقا