الــصدق
الصدق أحد الأسس الحضارية التي يقوم عليها بناء المجتمع الإنساني.ويعرف الصدق بأنه: القول المطابق للحقيقة والواقع.
والصدق خلق أصيل في النفس البشرية فهو من الفطرة السليمة، بعكس الكذب الذي هو مكتسب وليس أصيلاً.والصدق مُقوم نهضوي وحضاري لكل من لزمه يحقق نجاحاً بغض النظر عن هوية من لزمه,والعكس يحصل لمن ترك هذا الخلق, فهو خلق عزيز لا يناله إلا من يصطفيه الله فهونورٌ يقذفه الله في قلوب أوليائه ممن يحبهم ويحبونه، فيظهر هذا سداداً في أقوالهم , وأعمالهم ؛ في الإخلاص والإحسان , في الأمور كلها.
الصدق هو أن تدور مع الحق حيث دار ، هو اتباع الحق واجتناب الباطل , هو التقوى والمراقبة لله - عز وجل - في كل شأن من شئون الحياة , هو جملة الفضائل والخصال الحميدة التي يحبها الله ورسوله في اتباع ما أمرا به واجتناب ما نهيا عنه. هو صدق إعلان الولاء والطاعة والخضوع لله ولرسوله r. فخلق الرسول هو القرآن , والقرآن هو الصدق كله.
إن الصدق خُلق الإسلام الأول ، وأساس الدعوات والرسالات ، وهو الحقيقة القائمة في الكون والإنسان ، والحياة بمفهومه الواسع .والصدق مفهومه لا يقتصر على صدق الحديث فحسب, بل يشمل صدق الحديث، وصدق المشاعر،:( أي: صدق الإرادةِ والتوجه) ثم صدق الفعل , فلا يكون صادقا من قال بلسانه ما يكذبه قلبه ؛لأن الله قال عن المنافقين أنهم كاذبون , قال تعالى:{إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} (1) سورة المنافقون وقال تعالى:(يقولون بأفواههم ماليس في قلوبهم) الفتح .
وصدق الإرادة أبلغ من صدق الحديث,وما صدق الحديث إلا تابع لها. بل إن الأقدار تتبع الإرادة .لذلك يقال: إذا صدقت الإرادة استجابت الأقدار.قال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} (11) سورة الرعد.
ويقول الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
عن شداد بن الهادي أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك ؟ فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم, وقسم قسما له فأعطى أصحابه ما قسم له , وكان يرعى ظهرهم , فلما جاء دفعوه إليه , فقال: ما هذا؟! قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم , فأخذه فجاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا ؟! قال: قسمته لك. قال:ما على هذا اتبعتك, ولكن اتبعتك على أن أرمى ههنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم فأموت , فأدخل الجنة. قال: إن تصدق الله يصدقك. فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أهو هو؟! فقالوا : نعم.قال: صدق الله فصدقه. ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم, ثم قدمه فصلى عليه , فكان مما ظهر من صلاته عليه: اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا , أنا شهيد عليه.[1] وهذا يدل على أن كل من صدق في إرادته لأمر ما وسعى له ، تحقق له بإذن الله على الغالب., فهذا من أبلغ الصدق. وهذا من الصدق مع الله)!! فأول الصدق صدقُ النية ، والنية محلها القلب ، نية المرء خير من عمله .
عن سهل بن حنيف وهو بدري - رضي الله عنه - أن النبي r قال : ( من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) رواه مسلم.
إصلاح السرائر بابُ صدق إصلاح الظواهر
إن صدق الحديث يأتي ترجمة لصدق النوايا ؛ فمن أراد صدق الحديث فعليه أن يصلح سريرته ويصدق في نيته ، فإنه لا يكذب إلا من ساءت نيته وأخطأ فعله . أما من حسنت نيته وطابق فعله قوله فهيهات أن يكذب , إلا أن يكون جاهلا أو أحمقاً.
قد يصعب الحديث عمّا يدور في الضمير والمشاعر والأحاسيس إزاء موقف ما أو فعل ما في بعض المواطن على بعض النفوس، لكن المؤمن المتجرد في مشاعره لله ، لا يجد حرجاً في قول ما يجيش في صدره ؛ لأن نواياه كلها طيبة , فإنما يخاف المريب ، ويضطر للكذب في القول من لم يُصلح سريرته . فإصلاح السرائر بابُ إصلاح الظواهر وصدقِها ، وفساد الباطن باب لفساد الظاهر ، ومدعاة للكذب ؛ خشية افتضاح الباطن بين الناس . عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال : حفظت من رسول الله r :( دع ما يريبك إلى مالا يريبك ؛ فإن الصدق طمأنينة ، والكذب ريبة) رواه الترمذي. وقال : حديث صحيح . فالصدق منجاةً والكذب خسران.ومن هنا نخلص إلى أن من أراد الصدق فعليه بتطهير القلب ، وتجريد القصد ، وتزكية النفس وتنقيتها من أوهامها ؛ حتى يستقيم القلب ، فإذا استقام القلب استقام اللسان تبعاً له ؛ لأن اللسان يغرف من القلب ، فاستقامة الجوارح مرهونةٌ باستقامة القلب ، واللسان من أهم الجوارح الذي إذا سدد القول، ِ صلح بسداده العمل وغُفر الزَّلل. قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[ سورة الأحزاب (70 ، 71) .
ولذلك جاءت الأحاديث التي تشير بأن الصدق هو الأساس الذي تصلح به الأعمال، وبه النجاة و الطمأنينة ، والحياة الطيبة.وأما الكذب فمنه الريبة، والشقاء والخسران والهلاك. قال r :( عليكم بالصدق وإن رأيتم فيه الهلكة فإن فيه النجاة).أحياناً يتخيل الواحد منا بأنه إذا صدق سيناله الضرر ولن يحصل له المقصود إلا بتركه ، والحق أنك تجد بالصدق الذي كنت تخاف منه ، مالا تجده بالكذب الذي كنت ترجوبه.فعدم صدق النية والعمل الخاطئ يدخل صاحبه في النفاق العملي والقولي,مثل:بكاء إخوة يوسف.
جال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد ،فلما جاء المسلمون ثبت به مصعب،فأقبل ابن قمئة فضربه برمح حتى انكسر وسقط مصعب شهيداً. يقول خباب: لم يوجد لمصعب شيء يكفن فيه، إلا نمرة ـ شملة فيها خطوط بيض وسود ـ فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرت قدماه ، وإذا وضعناها على قدميه برز رأسه ، فقال لنا رسول الله: اجعلوها مما يلي رأسه ، واجعلوا على قدميه من نبات الإذخر ، ثم وقف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جثمانه فقال مزكياً لمصعب ، بصدق توجهه مع الله: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، ثم التفت إلى الناس ، فقال: أيها الناس زوروهم وأتوهم وسلموا عليهم ، فو الذي نفسي بيده لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم القيامة ، إلا ردوا عليه السلام.[2]
عمير بن الحمام
وفي غزوة بدر جاء عمير بن الحمام إلى النبي , فقال يا رسول الله: أرأيت إن قاتلت هؤلاء فقتلوني, أأنا في الجنة ؟ قال صلى الله عليه وسلم:" نعم" ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:" قوموا إلى جنّة عرضها السموات والأرض"، فقال عمير: بخ بخ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم": ما يحملك يا عمير على قول بخ بخ"؟! قال: أرجو أن أكون من أهلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:" أنت من أهلها"[3]. فكانت في يد عمير تمرات يأكلها فنظر إلى التمرات, وقال: أما بيني وبين الجنة إلا هذه التمرات ، إنها لحياة طويلة، فألقى التمرات، ودخل فقاتل ومات شهيدا.
صدقوا الله فصدقهم
كان عبد الله بن جحش يدعو ، في غزوة أحد بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك غدا رجلا من الكفار شديد القوة، أقاتله ويقاتلني فأقتله، ثم ترزقني رجلا من الكفار شديد القوة، أقاتله ويقاتلني فأقتله، ثم ترزقني رجلا من الكفار شديد القوة، أقاتله ويقاتلني، فيقتلني ويبقر بطني، ويقطع أذني، ويجدع أنفي، فآتيك هكذا يوم القيامة، فتقول لي: لمَ حدث ذلك يا عبد الله؟ فأقول: فيك يا رب، فتقول لي: صدقت. يقول سعد بن معاذ: فظللت أبحث عنه فوجدت عجبا والله، وجدته بقرت بطنه، وقطعت أذنه، وجدعت أنفه، وبجواره اثنين من الكفار قتلى[4].
والله إنها لكلمات تخترق القلوب. اللهم ارزقنا هذا الصدق وهذا اليقين. اللهم آمين.
وكان عمر بن الخطاب:يدعو ويقول: اللهم ارزقني الشهادة في بلد نبيّك.. فمات شهيداً في المدينة كما تمنى. صدق الله فيما يرجوه فصدقه الله.
إنما زوَّجكَ الصدق
روي أن بلالاً وصهيباً أتيا أهل بيت من العرب فخطبا إليهم,فقيل لهما: من أنتما? فقال: بلال: أنا بلال وهذا أخي صهيب، كنا ضالين فهدانا الله, وكنا مملوكين فأعتقنا الله، وكنا عائلين فأغنانا الله؛ فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فسبحان الله، فقالوا:بل تزوجان والحمد لله، فقال صهيب: لو ذكرتَ مشاهدنا وسوابقنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اسكت فقد صدقت فأنكحك الصدق[5], بمعنى لولا الصدق ما قبلوك صهراً.
فالصدق شعار الصالحين ودليل كمال إيمانهم ؛ ذلك أنهم يتجردون لله في كل شئونهم ، في خوفهم ورجائهم ، في فرحهم وسرورهم ، فلماذا يكذبون,وممَّ يخافون ,مادام خوفهم ورجاؤهم لله لا لغيره ؟!فالكذب يكون من البشر يوم أن يخاف بعضهم بعضاًَ ، أو يرجو بعضهم بعضاً ، فيضطر كل منهم إلى الكذب على الآخر رجاءً أو خوفاً ؛ ولذلك لا يكون المؤمن كذاباً -كما ورد في الحديث- ؛ لأن في ذلك شركاً؛ولأن المؤمنشعاره : إن أخطأت استحق أن أعاقب . فلا يكذب !! إنه يبحث عما يقيم العدل والإنصاف,ولو من نفسه ، ولا يبحث عن نجاته بالوسائل المشروعة ، ناهيك أن يبحث عنها بالوسائل الغير مشروعة ، ومنها:الكذب الذي هو محرَّم قطعاً.
إن ماعزاً طلب من تلقاء نفسه من النبي r أن يقيم عليه الحد ؛حتى يتطهر ، وكذلك الغامدية التي اعترفت وأقيم عليها الحد في أيام المصطفى r ، وقد أمهلها النبي r فترة كافية، لعلها تتراجع عن اعترافاتها ، فلم تفعل !! وهكذا المؤمنون ينتصفون من أنفسهم في أي شأن من الشئون صغيراً كان أم كبيراً.(يأيها الذين آمنوا كونوا قوامينَ بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين).
العقيدة والصدق
من علامات الصدق سلامة العقيدة بتوحيد الخالق .فالصدق هو علامة التوحيد الأكبر؛لأن الصدق خُلق عظيم يجعل المسلم عبداً لله - عز وجل – فقط ، بمعنى:أنه يحرِّره من الخوف والرجاء لغير الله عز وجل ؛ لعلمه بأن الضر والنفع بيد الله وليس بيد غيره.
إن البشرية في عجز تام عن أن تحرك ولو مثقال ذرة في هذا الكون بدون حول الله وقوته، فلا يمكن لمخلوق - مهما كانت قدرته - أن يفعل شيئاً في هذا الكون إلا بأمر الله وقدره إذن,فالجميع بيد القدرة الإلهية العظمى التي تملك كل شيء ، وتُصرِّف كل شيء,وإليها مرجع كل شيء] لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[ سورة الشورى(12) ]وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ[سورة الأنعام (61).
هذه هي عقيدة المؤمن الراسخة التي لا يشوبها غبش ، ولا ينالها غموض . هي التي تجعله صادق الكلمة ، صادق النية والمشاعر ، صادق الجوارح ؛يرجع إلى ربه متذللاً راجياً داعيا ربه أن يصرفه في طاعته وأن يوفقه لمرضاته ؛ولأنه مأمور بالصدق منهي عن الكذب من قبل الله ورسوله ،وجب عليه التحري لكل لفظة يقولها .ليكون مع الصادقين قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [ سورة التوبة (119)..وقال تعالى :
] طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ [ سورة محمد(21) . وعن أبي سفيان صخر بن حرب - رضي الله عنه - في حديثه الطويل في قصة هرقل، قال هرقل: فماذا يأمركم _ يعني النبي r _ قال أبو سفيان قلت : يقول : اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئاً ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة ، والصدق ، والعفاف ، والصلة) متفق عليه .فمن لا يستجيب لأوامر الله وأوامر رسوله ، فليس بمؤمن. والاستجابة والطاعة لله والرسول فيها حياة قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ سورة الأنفال(24)..إذن الصدق من الأعمال القلبية كما هو أيضاً من أعمال الجوارح ، فهو يجسد العقيدة التي في الضمير إلى سلوك عملي من خلال الصدق في القول و العمل.
الصدق نجاة والكذب هلاك كما أن الصدق بريد الإيمان والكذب بريد الكفر
إن المؤمن ليصدق ، وإن بدا له أنَّ هذا الصدق سوف يورده المهالك ، ولا يكذب وإن بدا له أن الكذب سوف ينقذه مما يخاف ؛ لأنه يعلم علماً يقيناً أن النجاة والخسران بيد ملك الملوك ، وأن العبيد مخلوقات لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً ، فكيف تملك لغيرها ؟! فمن لا ينفع نفسه ولا يضرها، فمن باب أولى أنه لن ينفع غيره ولن يضره,إلا إذا أراد الله !! خطب الحجاج بن يوسف الثقفي فأطال ، فقام رجل فقال أيها الأمير:الصلاة فإن الوقت لاينتظرك والرب لا يعذرك,فأمرالحجاج بحبسه فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون,وسألوا الحجاج أن يخلي سبيله.فقال لهم:إن أقر بالجنون أخليت سبيله,فقيل: له، فقال: معاذ الله ، لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني،عندما بلغ الحجاج ذلك أكرم فيه فضيلة الصدق وعفا عنه.
الصدق طريق البر والكذب طريق الفجور
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) متفق عليه .
مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل وصديق له، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه للإسلام , فقال أبو جهل: يا محمد أنت كاذب لا أصدقك. فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وتركهم, فقال أبو جهل لصديقه: ( الذي أسلم بعد ذلك): إنني أعلم أنه صادق ولكن يمنعني أن أومن به أن قبيلتي وبنو عبد مناف ( قبيلة النبي) فرسي رهان، يقولون: منا كذا، ونقول منا كذا.. حتى قالوا: منا نبي... فأنّى لنا بها؟
الصدق أساس البركة
فالتاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . عن أبي خالد حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما) متفق عليه.
حاجة الأمة إلى الصدق لا تقل عن حاجتها للطعام والشرب
إن المشاعر تحتاج إلى الصدق لتنمو كما يحتاج البدن إلى الطعام."تبدو لنا حاجة المجتمع إلى الصدق حينما نلاحظ أن شطراً كبيراً من العلاقات الاجتماعية والمعاملات
الإنسانية تعتمد على شرف الكلمة ،فإذا لم تكن الكلمة معبرة تعبيراً صادقا عما في نفس قائلها, فلن نجد وسيلة أخرى نعرف بها إرادات الناس ,ونعرف فيها حجاتهم, ونعرف حقيقة أخبارهم . ولولا الثقة بشرف الكلمة لتفككت معظم الروابط الاجتماعية بين الناس, ويكفي أن نتصور مجتمعًا فقد الصدق وسار فيه الكذب,لندرك مبلغ تفككه وانعدام صور التعاون بين أفراده ، إذ كيف يكون لمجتمع ما كيان متماسك وأفراده لا يتعاملون فيما بينهم بالصدق, وكيف يكون لهذا المجتمع رصيد من ثقافة أو تاريخ أو حضارة, وكيف يوثق بنقل المعارف والعلوم إذا لم يكن الصدق؟!!كيف يوثق بنقل الأخبار والتاريخ إذا لم يكن الصدق أحد الأسس الحضارية ؟ كيف يوثق بالعهود والوعود والدعاوى والشهادات وغيرها مالم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس؟!. إن مصير المجتمع الذي يقوم على الكذب هو التفكك والتخلف الحضاري الشنيع ثم الخراب والدمار[6]".
فعلى قدر الأسس الأخلاقية الحضارية في المجتمع يكون مستوى الرقي فيه,فمن أسباب
انهيار الحضارة الغربية اليوم تركها لأخص خصائص البقاء وهو الصدق وهي تصدر الخداع منذ قامت لكن هذا الخداع كان على استحياء لكنها اليوم تجاهر بالكذب وهي تعلم أن المجتمعات تعرف أنه كذب فتكذب حتى تصدق نفسها,إنها تقتل وتشرد أكثر من أربعة مليون إنسان في العراق تحت دعوى تواجد السلاح النووي ثم تقول عفوا أخطأت أي مهزلة أكثر من هذه المهزلة.
قصة توضح ماذا يحدث عندما يغيب الصدق ويحل الكذب
ذهب أحد الناس في الزمن الغابر إلى السوق لشراء عبدٍ من العبيد فوجد عبداً قويا فتيا جميلا , فعرض شراءه من صاحبه بعد إعجابه به , ثم قال لصاحبه: صف لي هذا العبد بصدق ولا تغشني , فوصفه بكل حميد من نشاط وطاعة وذكاء وحسن تدبير , إلى غير ذلك من الصفات الجيدة ، لكنه استدرك في نهاية حديثه بقوله: لكنه يا سيدي به صفة واحدة ليست حميدة ,إنه يكذب أحياناً , فهل ترغب بشرائه بعد الآن؟ قال: مادامت كل صفاته حسنة إلا واحدة فقط, فلا بأس به , سأشتريه, فدفع ثمنه لصاحبه ثم أخذه وانصرف. وفي أحد الأيام بدأ العبد بالكذب , فذهب و أخبر زوجة سيده بأن زوجها يعشق غيرها وقد فتنته إحدى الفتيات وسحرته بجمالها, , فشرحت ذلك للعراف الموجود في المدينة المجاورة فقال لي:إن عليكِ إذا أردت الخلاص من شرها ، أن تأخذي من شعر لحية زوجك وتضيعها على الجمر؛ ليحرق السحر . عندها يذهب سحر تلك الفتاة التي أسرت زوجك ، وعليك أن تأخذيها دون أن يشعر.
ثم ذهب العبد إلى الزوج وقال له: إن زوجتك قد اتخذت عشيقاً وخلا غيرك, وهي تجتمع معه كل يوم, وقد عزمت على قتلك ليخلو لهما الجو, وإذا أنت لم تصدقني ، فأظهر نفسك أنك نائمٌ في الليل وانظر صدق ما أقول , فأنها ستأتي في الليل لقتلك . وفي الليل بعد أن تأكدت المرأة أن زوجها قد نام , أقبلت تمشي بهمس وبيدها سكين تريد أن تنزع بعض شعر لحية زوجها , كما أخبرها العبد , وبينما هي كذلك تمد يدها إلى دقن زوجها انتفض الزوج وأخذ السكين من يدها وقتلها. فجاء أهلها وقتلوا الزوج , وقامت حرب بين القبيلتين ذهبت على إثرها ؛ بسبب الكذب الذي استصغره الرجل عند الشراء[7].
إن المؤمن لا يكون كذاباً أبدا.وأصدق الناس سيدهم وأصدق الخلق رسول الله فصلاة وسلام عليك يا سيد الخلق يا حبيب الله.
محوتَ بنوركَ ليــل الـردى بلغتَ النهايةَ في المبتــدا
ومازلت بالصدق تبني الشموخ إلى أبد الدهـر منذُ البـدا
عُرفتَ بصدقكَ بين الـورى وكنت إمام الحجا والندى
إلى أن تفجر ضوء النهــار بأفق الـوجـود ومـد يدا
رسمت لأمتــنا منهــجاً قويما بأنفاسنـا يُفتـدى
وقد خاب من تاه عن دربـه وأفلح من في هواكمْ شـدا
أقمت صروح الهدى والتقى وكنت لكل الورى منجـدا
وما زال عدلك في العالميـن يقضُّ دياجير كـل العـدى
وهديك يا سيد الكائنــات يغذي القلوب ويمحُو الصـدى
خُلقت مع الصدق قبل الضيا وسميت بيـن المــلا أحمدا
وإني على دربكم قد سلكت لأجني المفاوزَ والســـؤددا
فما قيمة العيش إن لم أكن مبادئ صدقٍ تطوف المدى
أعيش بأخلاق طـه حميداً لأغرس في كل قلـب هـدى[8]









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية