الـتوبة

   التوبة هي الشعور بالندم والرجوع إلى الله خشية من عقابه أو رجاء لثوابه. إن التوبة:هي تعديل أساسي في الشخصية والكينونة والوجهة والطريق والعمل والسلوك. لذلك فهي جوهرية مهمة في حياة الإنسان والمجتمعات.وليست التوبة إذن متعلق أخروي فحسب كما يفهمها البعض بل هي أساسية في بناء الحياة السوية للأفراد والمجتمعات في الدنيا قبل الأخرى.

والتوبة تأتي نتاج العلم والمعرفة واليقين بالله وبشرعه ،فهي: اعتراف العبد بالتقصير والضعف والعجز والذل والانقياد لربه عز وجل.كما أنها اعتراف من العبد بصفات الله  عز وجل ؛كالقوة والهيمنة والعزة والكبرياء ، وسائر الصفات التي يخشى العبد ربه عندها ، ويرجوه كذلك . ومن هنا يصبح الرجاء والإنابة من معاني التوبة ، إذن فالتوبة هي الرجوع إلى الله ، والعزم على الجادة ، بعد الندم على التفريط في حقه أو التقصير في طاعته . وكما هي  طلباً لرحمته وفضله وعفوه , هي خشية من سخطه وعقابه ، وقبل ذلك هي محبة له واعترف بأسمائه وصفاته. ( أي بربوبيته وألوهيته ) سواء بسواء.

وقد وضع بعض العلماء للتوبة معنين: معنى مع العبد, ومعنى مع الله. فمع العبد يقال: تاب العبد إلى ربه  بمعنى: رجع وعاد إليه من ذنب اقترفه, فندم لفعله, فعاد إلى ربه نادما تائبا. المعنى الآخر مع الله, فيقال تاب الله عليه , بمعنى: عاد الله عليه بالمغفرة وأرجعه إليه لذلك ندعوا: اللهم تب علينا لنتوب واغفر لنا جميع الذنوب.وهذا مأخوذ من قوله تعالى: "ثم تاب عليهم ليتوبوا". وقيل:أقبل إليه ربه بعد أن أعرض عنه.

وكلا المعنيين عودة , ولكن عودة المغفرة والرحمة من الله  ليست كعودة العبد بانكساره وذله واستغفاره وقد ذكرت في القرآن توبة العبد وتوبة الله عليه . قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (160) سورة البقرة.

{فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(39) سورة المائدة.

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (37) سورة البقرة. والآيات كثيرة في هذا الباب.والمؤمنون جميعا مأمورون بالتوبة ؛ لأنه لا يوجد معصوم غير الأنبياء , ومع ذلك , فالأنبياء يتوبون ويستغفرون الله عز وجل ؛ لأنه التواب والغفار,  فمن باب أولى يتوجب على كل مسلم التوبة والإنابة والرجوع إلى الله عز وجل .

والتوبة إذا كانت صادقة قوية سميت توبة نصوحَا.  اللهم تب علينا توبة نصوحاً  وأصلحنا جسداً وروحاً. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (8) سورة التحريم. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (31) سورة النــور.{وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} (90) سورة هود.

إن التوبة فضل من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده. {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (21) سورة النــور
      "إن الله فتح باب التوبة لمن يشاء أن يتوب ويتطهر ؛ كي يرجع التائب إلى المجتمع نظيفا عفيفا,وحتى يقوم المجتمع على أرض صلبة وفي جو نظيف عفيف..و هناك لمسة من توبة الله لعباده, : هي توجيه قلوب العباد للاقتباس من خُلق الله ورسوله والتعامل فيما بينهم به. فالله توابا رحيما فينبغي لهم أن يكونوا هم فيما بينهم متسامحين رحماء ; أمام الذنب الذي سلف وأعقبته التوبة والإصلاح.  إنه ليس تسامحا في الجريمة, وليس رحمة بالفاحشين , فهنا لا تسامح ولا رحمة , ولكن سماحة ورحمة بالتائبين المتطهرين المصلحين وقبولهم في المجتمع , وعدم تذكيرهم وتعييرهم بما كان منهم من ذنب تابوا عنه وتطهروا منه وأصلحوا حالهم بعده , فينبغي حينئذ مساعدتهم على استئناف حياة طيبة نظيفة كريمة ونسيان جريمتهم حتى لا تثير في نفوسهم التأذي كلما واجهوا المجتمع بها ; مما قد يحمل بعضهم على الانتكاس والارتكاس واللجاج في الخطيئة وخسارة أنفسهم في الدنيا والآخرة والإفساد في الأرض وتلويث المجتمع والنقمة منه[1]."

لمن يمنح الله التوبة؟

قال تعالى:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً..وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (17، 18) سورة النساء.

 

هل يدخل في التوبة الرجاء وحسن الظن ؟

الجواب نعم يدخل فيها الرجاء كما يدخل فيها الخوف. فمتى ظهر للمذنب ذنوبه وعيوبه ، ورافق ذلك استشعار عظمة مولاه ، وصفاته وأسمائه العظمى، من حلم وعفو ومغفرة  وكرم ورحمه ، انبعث أمام هذه الصفات رجاؤه وقويت رغبته , واشتد طلبه لعفو الله ومغفرته وصفحه وفضله ، فيتكئ على هذه الصفات ، ويمضي في طريقه إلى الله راجياً عفوه ومغفرته ، فيكون محققاً للتوبة بهذا الرجاء ، مع محاولة التخلص من الذنب ، والعزم على عدم تكراره ؛ لأن التائب علم صفات الخالق ، ومن صفاته التواب ، فرجاه التوبة والمغفرة ، فلا مغفرة ولا توبة بغير رجاء . فالتوبة كما أشرنا لها معنيان ،فهي من العباد , تعني: الرجوع . ومن الله تعني: القبول لمن رجع إليه. فهي من العبد:خوف يولد رجاء ويتبعه عهد يقطعه لربه على نفسه بعدم الرجوع إلى المعصية ، و تجديد وثبات على الطاعة ، وإحياء للثقة , وتصحيح للعزيمة. وهي من الله: رحمة وعفو ومغفرة للتوابين المستغفرين الذين انكسروا عند بابه وذلوا بأعتابه , خشيةً من عقابه ، ورجاءً لثوابه ، وجزائه.

     قد يقول قائل كيف تكون التوبة من الذنوب التي لا يعلمها العبد؟

نعم يتحقق ذلك بالدعاء والاستغفار ، وإعلان التوبة كقول العبد « اللهم تُب علينا من جميع الذنوب والخطايا ، صغيرها أو كبيرها ، ما علمت منها وما لم أعلم ».آمين

من خاف أدلج

فمن الخشية تأتي التوبة ، فمن خاف الله في أمر ، فقد أعلن توبته لله في هذا الأمر ، ويبرزُ خوف التائب جليّاً عند يقظة قلبه ، واستشعاره لذنوبه  التي عظمت  عليه ، فخاف عقوبة ربه ، ودمعت عيناه ، وخشع قلبه ، ورفع كفه يستغفره ، معلناً ندمه , فقد مارس حقيقة التوبة في أعلى درجاتها.إنما التوبة بالعزيمة ولا عزيمة إلا بخشية.

توبة الكفل

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله ، فأتته امرأة أرعدت وبكت , فقال لها:ما يبكيك ؟ أكرهتك؟ قالت: لا ولكن عملٌ ما عملتُهُ, وما حملني عليه إلا الحاجة. فقال: تفعلين أنت هذا وما فَعلتِهِ قط!! اذهبي فهي لك. وقال لا والله  لا أعصي الله بعدها أبداً. فمات من ليلته فأصبح مكتوباً على بابه إن الله قد غفر للكفل.

 العمل الصالح توبة مكفرة

      يعتبر العمل الصالح نوعاً من أنواع التوبة المكفرة للذنوب .فالصلاة إلى الصلاة مكفرة لما بينهما ، والجمعة إلى الجمعة كذلك ، ورمضان إلى رمضان مكفر لما بينهما ، فالتوبة لا تنعقد بالنطق فقط ، ولكن لها عدة مشارب ، منها العمل ، فمن غفر الله لهُ ذنبه فقد تاب عليه ، ومن قال« اللهم تب عليّ واغفرلي » , َمحا ذنبه المجيب، ومَن مُحي ذنبه ، فقد تاب  الله عليه ، فإذا عاوده فلا بد له من توبة أخرى.وهكذا، فلا يأس مع كثرة الرجوع والتوبة إلى الله.

 هل جميع الطاعات تعد توبة لله؟. الجواب نعم: إذا كان ضد الطاعة المعصية ، فكل الطاعات من التوبة .من كل ذلك يدل على أن التوبة باب واسع من أبواب العبودية لله ، فمن حُرم التوبة فهو في خسران مبين , ومن لم يتُب فليس بمؤمن . اللهم اجعلنا من التوابين ومن المتطهرين.

فإذا عاود العبد الذنب الذي تاب منه عليه أن يتوب مرة أخرى وأخرى... فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن عبدا أصاب ذنبا ، فقال : يا رب ، إني أذنبت ذنبا فاغفره لي ، فقال له ربه : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنوب ، ويأخذ به فغفر له ، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر ودعا ، قال : ثم أذنب ذنبا آخر ، فقال : يا رب ، إني أذنبت ذنبا فاغفره لي قال له ربه : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ، ويأخذ به فغفر له ، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر ، وربما ، قال : ثم أذنب ذنبا آخر ، فقال : يا رب ، إني أذنبت ذنبا فاغفره لي ، فقال له ربه : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ، ويأخذ به ، فقال ربه : غفرت لعبدي فليعمل ما شاء »[2] رواه مسلم في الصحيح.

 التوبة تجب ما قبلها

 تاب رجل ثري عند سماعه موعظة , فأفتاهُ أحدهم بعدم صحة توبته إلا إذا رجع فقيراً كما كان أي: يتخلص من الثروة التي جمعها وخالطها الحرام قبل أن يتوب, فصعب على الرجل التائب الأمر , وكاد يعود إلى سالف أمرهِ لولا أن تداركه أحد العلماء , بقوله: توبتك صحيحة فالتوبة تجب ما قبلها , , وإن علمت حقا لإنسان أخذته بغير حق وتستطيع رده إليه , لزمك رده إليه, ومالك لك , وتصدق منه وأكثر ,  فإن الحسنات يذهبن السيئات. فاستقام الرجل وأنفق من ماله في سبيل الله .وهذه من رحمات الإسلام الإسلام يجب ما قبله.

قام رجل لعمرو بن العاص, فقال له: ما أبطأك عن الإسلام ,وأنت من أنت في عقلك ؟ !! فأجابه: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم ، وكانوا ممن تزنُ حلومهم الجبال ، فلما بُعِثَ النبي ـ صلوات الله عليه ـ فأنكروا عليه فتبعناهم ، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا ، فإذا هو حقٌ بيِّن ، فوقع في قلبي الإسلام ، فعرفت ذلك من إبطائي عما كنت أسرع فيه من عونهم ، فبعثوا إليَّ فتىً فناظرني في ذلك. فقلت: لقد وقع في نفسي أن الذي يقوله عن البعث بعد الموت ؛ ليجازى المحسن على إحسانه والمسيء بإساءته حق ، ولا خير في التمادي في الباطل. وخرج عمرو بعد ذلك ليسلم ، ولقي في الطريق خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة من بني عبد الدار سدنة الكعبة. قال عمرو: فقلت لخالد إلى أين يا أبا سليمان؟ قال:والله لقد استقام المنسم ، إن الرجل لنبي ، أذهب والله أسلم , فحتى  متى؟ فقال عمرو: وأنا والله ما جئت إلا لأسلم., فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليهم وقال لأصحابه: لقد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها.قال : فتقدم خالد فأسلم وبايع , ثم دنوتُ فقلت يا رسول الله: إني أبايع على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي.. فقال النبي: أسلم يا عمرو فإن الإسلام يجبُّ ما قبله والهجرة تجب ما قبلها.

أكثر من التوبة يحبك الله

عن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : ( لَلَّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ) متفق عليه ، وفي رواية لمسلم .

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا, فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ , فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ.أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ.[3]

إن كثرة الرجوع والاستغفار والتوبة, إلى الله محبوبٌ . فمن أراد أن يكثر حب الله له؛ فليكثر الرجوع والتوبة إليه ، حتى يُحبَّه . فهذا رسول الله r - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة . 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله r يقول : ( والله أني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) رواه البخاري .

روى عمران بن الحصين : أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا ، فقالت يا نبي الله أصبت حداً فأقمه علي ، فدعا نبي الله وليها فقال: أحسن إليها ، فإذا وضعت فأتني بها ففعل ، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها.[4]

وفي رواية .فأراد رسول الله صلوات الله عليه أن يصلي عليها.فقال له عمر: تصلي عليها يارسول الله وهي زانية؟ فأجابه الرسول :لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين رجل من أهل المدينة لوسعتهم ؛ فكيف بها وقد جادت بنفسها لله عزوجل.

شروط التوبة .

ولقد عرَّف العلماء التوبة بأنها: الرجوع بعد الانقطاع ، فالانقطاع بـحد ذاته ذنب،  كما أن ارتكاب المنهي ذنب ، وكل ما يغضب الله - عز وجل ـ يعد ذنباً. فالتوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين ربه أي لا تتعلق بحق آدمي ، فلها ثلاثة شروط ؛  الأول : أن يقلع عن المعصية . الثاني: أن يندم عليها ، ( أي: على فعلها ) الثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبداً.فإن فقد أحد الثلاثة الشروط لم تصح توبته . وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي, فشروطها أربعة ما ذكرناه سابقاً ثلاثة , والرابع : أن يرد حقوق الآخرين إليهم ,أو يستعفي منهم.

فإذا استغفر  العبد ربه من ذنبه يعود كمن لا ذنب له. والتوبة واجبة من كل ذنب.

قال تعالى :] وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [(31) سورة النــور

وقال تعالى : ] استغفروا ربكم ثم توبوا إليه [ هود آية (3). وقال تعالى  : ]ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا [ سورة التحريم (8).عن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : ( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة ) رواه مسلم .وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي r قال : ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) رواه مسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : ( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ) رواه مسلم. وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي r قال:
 ( إن الله عز وجل يقبل توبة أحدكم ما لم يغرغر ).رواه الترمذي,وقال:حديث حسن .

وعن زر بن حبيش قال :أتيتُ صفوان بن عسال - رضي الله عنه - أساله عن المسح على الخفين فقال : ما جاء بك يا زر ؟ فقلت : ابتغاء العلم . فقال :(قال النبي r : المرء مع من أحب يوم القيامة . فما زال يحدثنا حتى ذكر باباً من المغرب  يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً ، خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه ) رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح .

 منحتني زفراتَ التوب حقل رؤى      تُصيَّرُ الجدبَ خصباً في مساراتي

          مسار نفسي لا يرتــــاد غاشيــــة       إلا وتخلعها  أنــــــوار تــــوباتي

توبة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً

وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري - رضي الله عنه - أن نبي الله r قال : كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض, فدُلَّ على راهب فأتاه فقال : "إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة ؟ فقال : لا، فقتله, فكمل به مائة ، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل عالم فقال : إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال : نعم ، ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ؛ فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ؛ فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى ؛ وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط ؛ فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم _ أي حكماً _ فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد , فقبضته ملائكة الرحمة " متفق عليه . وفي رواية في الصحيح (( فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها )) وفي رواية في الصحيح (( فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقاربي وقال : قيسوا ما بينهما ، فوجدوه إلىهذه أقرب بشبر فغفر له .وفي رواية(( فنأى بصدره نحوها)).ولولا رحمة ربي وهدي  نبيي ما تاب لله تائب ولا عاد إلى الصراط القويم ذاهب.

رباه أنفاسُ روحي تشتكي ذاتي     وتحتسي الخوف من نبض المسراتِ

 ويشتهي ،نزق التفريط ..مأدبة    الإغفاء يُطعمُ قلبي..طيش زلاتي

أنهار جودك تسري في شغاف دمي    والنفس تلهُو بأفلاك المتاهاتِ

 أرنو ونهر السنا يجتاز أزمنتي        وأنثني فأراني في خطيئاتي

أصحو بحشرجة الإغفاء ترجعني    ململم الروح في مَهَلٍ.. رجاءاتي

 بقارب الضعف أجتاز الغوى وجلاً      لشط نورِ ترانيم الــمناجـاة

بزورق الخوف شهقاتي تنورسني   إلى الرجاء الذي يقتات غفلاتي

فيسكن الوهج الموار في كبدي       وتنطفي نار أهوائي ونزغاتي

وتبحر اليقضة الغرقى.. بمتن      زوارق الإياب إلى شطآن آياتي

مني إليّ ..تُشظي الروح ترجعني  (برداً سلماً َ) لمحراب الضراعات

أهفو فتمنحني بالذنب مغفرةً     كما تبدد بالأنوار ظلماتي

أتوه بين أفاعي الغفو تنهشن        أنيابها ..ثم أعلو باستقاماتي

فأرتدي يقظة الإيمان أجنحة       محلقا في ذرا هامات غاياتي

 أشكو وقلبي يُرَجِّي العفو.. متشحا   توكلي ودعائي  واستغاثاتي

كم أغفلت شهوات الطين منتجعي   الأسمى لتلبسني  ثوب الغشاوات

وأنت تبعثني روحاً وتشرق بي نفسا   وتملؤني من شوق   بسماتي

  فيوض نورك..آلاءٌ. تطوف على    مدار أفق دهوري كالمجرات

قلبي محيطُ ضياء من تزاحمها     والأنس بحر عبيرٍٍ في مساماتي

يلفني خجل العرفان في وجلٍٍ   من وسوسات هوى نفسي و غفواتي

    أقلِّبُّ الوقت في عَيْنيَّ أتبع      مَولدَ العطاءات في أحداق لحظاتي

فيشرق القلب شكراً حينَ تغسلني    حلاوة الوصل في أنهار نفحاتي

أنام بين بحار الأنس تغرقني        نعماك ربي فأنسى كل  آفاتي

أبدد الغسق الداجي بأوردتي      فيرتمي أملي في فجريَ الآتي

 أنا قلوب النوايا البيض تبعثني    يداك نورا.. لتمحو ليل سوءاتي                                  

                                   وعلى الثلاثة الذين خُلفوا

حديث الثلاثة من الأحاديث الفياضة بالعبر, فالتوبة أصدق الصدق وباعثة له.فعن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب رضي الله عنه من بنيه حين عمي قال : سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله r في غزوة تبوك . قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله r في غزوة غزاها قط إلا غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة  بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنه ؛ إنما خرج رسول الله rوالمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد  

ولقد شهدت مع رسول الله r ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدرٌ أذكرَ في الناس منها . وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله r في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة . والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة , ولم يكن رسول الله r يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة , فغزاها رسول الله r في حر شديد ؛ واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً ,واستقبل عدداً كثيراً ؛ فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد ؛ والمسلمون مع رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ. ( يريد بذلك الديوان ) قال كعب : فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفي به مالم ينزل فيه وحي من الله ، وغزا رسول الله r تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال , فأنا إليها أصعر, فتجهز رسول الله r والمسلمون معه وطفقتُ أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض شيئاً وأقول _ في نفسي _ أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد , فأصبح رسول الله r غادياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً, فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو, فهممت أن ارتحل فأدركهم فياليتني فعلت!! ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله r يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصاً عليه في النفاق , أو رجلاً ممن عذره الله تعالى من الضعفاء, ولم يذكرني رسول الله r حتى بلغ تبوك, فقال : وهو جالس في القوم بتبوك : ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه . فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه : بئس ما قلت ! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً ، فسكت رسول الله r . فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب فقال رسول الله r : كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون .قال: كعب : فلما بلغني أن رسول الله r قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول : بم أخرج من سخطه غداً وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل أن رسول الله r قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً ، فأجمعت صدقه , وأصبح رسول الله r قادماً ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً فقبل منهم على نيتهم , وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى , حتى جئت . فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال : تعال ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي : ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك قال قلت : يا رسول الله , إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ؛ لقد أعطيت جدلاً , ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله يُسخطكَ عليَ , وإن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه . إني لأرجو فيه عقبى الله عز وجل , والله ما كان لي من عذر ، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال : فقال رسول الله r: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك . وسار رجال من بني سلمة فأتبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا , لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله r بما اعتذر به المخلفون ، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله r لك . قال : فوا لله ما زالوا  يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله فأكذِّب نفسي ، ثم قلتُ لهم : هل لقي هذا أحد معي ؟ قالوا : نعم ، لقيه معك رجلان قالا مثلما قلت ، وقيل لهما مثلما قيل لك ، قال : قلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري , وهلال ابن أمية الواقفي . قال : فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً فيهما أسوة . قال : فمضيت حين ذكروهما لي .

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه . قال فاجتنبنا الناس – أو قال تغيروا لنا – حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي أعرف . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحبي فاستكانا ،وقعدا في بيوتهما يبكيان !! وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج وأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق , ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله وأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريباً منه ، وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت إلى صلاتي نظر إليّ ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني ، حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ ، فسلّمت عليه ، فوالله ما رد عليّ السلام ! فقلت له : يا أبا قتادة ، أنشدك الله : هل تعلمني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . فسكت ، فعدت فناشدته ، فسكت ، فعدت فناشدته ، فقال : الله ورسوله أعلم ! ففاضت عينايَ!! وتوليت حتى تسورت المدينة ، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون إلىّ ، حتى جاءني فدفع لي كتاباً من ملك غسان ، وكنت كاتباً فقرأته فإذا فيه :أما بعد ، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ، ولا مضيعةٍ ، فالحق بنا نواسِك . فقلت حين قرأتها : وهذه أيضاً من البلاء ! فتيممت بها التنور ، فسجرتها ، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين ، واستلبث الوحي ، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك . فقلت : أطلقها ، أم ماذا ؟ قال : لا ، بل اعتزلها ، فلا تقربنها . وأرسل إلى صاحبيَّ بمثل ذلك . فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم – فقالت له : يا رسول الله ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ، فهل تكره أن أخدمه ؟! قال : لا ، ولكن لا يقربنَّكِ . فقالت: ما به من حركة إلى شيء ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان !.

 فقال لي بعض أهلي لو استأذنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه ؟ فقلت : لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما      يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب . فلبثت بذلك عشر ليالٍ ، فكمُل لنا خمسون ليلة من حين نُهي عن كلامنا ، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحالة التي ذكر الله تعالى منا ،قد ضاقت علي نفسي ، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت ، سمعت صوت صارخ أوفى سلعٍ ، يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك ، أبشر ، فخررت ساجداً ، وعرفت أنه قد جاء فرج ، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله عز وجل علينا حين صلى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، فذهب قِبَل صاحبيّ مبشرون ، وركض إلي رجل فرساً ، وسعى ساعٍ من أسلم قبلي ، وأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثَوبَيَّ ، فكسوتهما إياه ببشراه ، والله ما أملك غيرهما يومئذٍ ، واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم , يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة ويقولون لي: لتهنك توبة الله عليك ، حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة- قال كعب : فلما سلّمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال وهو يبرق وجهه من السرور : أبشر بخير يومٍ مرّ عليك مُذْ ولدتك أمُّك !. فقلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : لا ، بل من عند الله – عز وجل – وكان رسول الله إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر ، فكنا نعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه قلتُ : يا رسول الله : إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك ، فهو خير لك . فقلت : إني أمسك سهمي الذي بخيبر ، وقلت : يا رسول الله ، إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت . ووالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله تعالى منذ ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى ، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي . قال: فأنزل الله تعالى ({لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ  وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (117) (118) سورة التوبة)). قال كعب : والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد إذ هداني  الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقِي رسول الله صلى الله عليه وسلم , ألا أكون كذبته فأهلكُ كما هلك الذين كذبوا ، إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد ، فقال الله تعالى : {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ,,يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ }(95 ,96) سورة التوبة قال كعب : كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له ، فبايعهم واستغفر لهم ، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه بذلك ، قال الله تعالى : ( وعلى الثلاثة الذين خُلفوا ) وليس الذي ذكر مما خُلِّفنا تَخلُّفنا عن الغزو ، وإنما هو تخليفه أيانا ، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه ، فقبل منه . متفق عليه .

رَبــَّاهُ إنـــي  تائبٌ وفـــقـيــرُ

مـُـتـذلِّـلٌ مِمَـــا جَـــنَــيتُ كَـســيرُ

تَـتَـزَاحـمُ الآهَاتُ بـينَ جَوَانِحي
والــقـلـبُ فــيــهِ تـَبتلٌ وزَفِـــيرُ

فـاغْــفرْ إلهـــي كـــل ما أذنــبتــهُ
فـالـدَّمـعُ من فرطِ الـذُّنوبِ غَـزيرُ

فلأنـتَ أعـظمُ من يجــودُ بعــفوهِ
وأنـَا المــقِرُّ وشـِيـمـتي الـتَّـقـصيرُ

يـا رب خُذ بيدي فــإنـي مُبْحرٌ
عـزمـي بأغـلالِ الذًّنـوبِ أسِــيرُ

آلاؤكَ العـظمَى جَرتْ أنهـارهَـا
والـنـَّفسُ في فلكِ الشَّتاتِ تَدورُ

من للمـسـيء إذا رددتَ يُـقيلهُ
ولـمَ القُنُوطُ ُوذُو الجَلالٍِ غفــورُ؟

كُلُّ المـعَاني لا تَطالُ ثَناءهُ
تجـثــو أمـام جــلالــهِ وتَمورُ[5]

ا قنوط ولا يأس من رحمة الله

أورد صاحب القباسات هذه الرواية ولم أقف عليها قال:بعد غزوة أحد ومقتل سيدنا حمزة بن عبد المطلب الذي قتله وحشي , أهدر الرسول دمه فهرب إلى القفار وفي يوم من الأيام قذف الله في قلبه الإسلام ، فكتب إلى الرسول بأنه يريد الإسلام ،قائلا له:إني أريد الإسلام ولكن منعني  من الإسلام أية أنزلت عليك{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} (68) سورة الفرقان وأنا كما تعلم مشرك وقاتل وزانٍ . فأنزل الله تعالى {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (70) سورة الفرقان فأرسلت هذه إليه من الرسول.

فرد وحشي برسالة يقول فيها: يا محمد هذه فيها شروط يقصد التوبة والإيمان والعمل الصالح وهو يريدها رحمة ومغفرة بدون هذه . فأرسل له النبي قوله تعالى (إن الله لا يغفر

أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ولكن وحشي لما قرأ هذه الرسالة ،ردَّ في جواب إن في الآية اختصاصا ، إن الله يخص برحمته من يشاء فأنزل الله تعالى وهو الرحيم بعبادهقوله تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (53) سورة الزمر. فلما قرأها وحشي أسلم ، وحسن إسلامه. وقد شارك مع رسول الله  عدة غزوات وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب في حروب الردة وقال: قتلت خير الناس وقتلت شر الناس.[6]

إن محمد صلى الله عليه وسلم.هو الرحمة المهداة والسراج المنير للبشرية جمعاء ,وقدكان يكثر من الاستغفار والتوبة, ونحن أحرى منه بذلك ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسليماً كثيرا.رفع عن كاهل المؤمنين ظلام الجهل وهموم الغفلة ,وأزال بنوره الشرك والإلحاد,وجاء بالهدى والنور.  فكان عطراً ونورا, وسعادة وحبورا,فعلينا بالتأسي به واقتفاء أثره والسير على منهاجه , صلى الله عليك يا رسول الله وسلم تسليما كثيرا.

 

عطرتَ بالنورِ المبين فؤادي           وأزحتَ هماً بالحديثِ الشادي
شمسُ المحبة أشرقت في كوننا         يا سيد الإشراقِ والإسعاد
يا واحة الأخلاق يانبع الصفا              يا بسمة الأيام والأعياد
فلأنت نبع الحب عبر دهورنا         تسري وبين دمي وفي إنشادي
ِمسْكاً بأرجائي الحياة عبـيركم          يا بلسم الأزمان والأمجاد
الله أكرمنا بهديك مذ أتيت              إلى الوجود بنعمة الإرشاد
وكما اصطفاك فكنت أعظم مرشدٍ          للعالمين بحكمةٍ وسدادِ
فقد اصطفاك لتمحُ بالنور المبين    عبادة الأزلام والأصنام والأنداد
 بـيديك رب العرش أنقذ أمة         وحمى البرية من لظى الإلحادِ
من فضل رب كنت أعظم منقذٍ       وافى على قدر بلا ميــعاد
فيض الهداية ياحبيبي  رحمة        تسري به الآيات في الأجســادِ
يا رحمة الرحمن نوركَ ساطعٌ          والنــور منتشرٌ بكل فؤاد
ذكراك يشف القلب من آلامه         ويعيد ذكرى حضارة الأجداد
   حمداً لربي ذي الجلال لأنه                 أحيا بهديك أمة ألأمجـاد
يا نور أمتنــا الأبية إننـــا                        نهواك منــذ  بداية الميـــــلاد

 

 



[1]سيد قطب في تفسيره لبعض آيات التوبة .الجزء الربع.

[2]شعب الإيمان للبيهقي - (ج 15 / ص 119) .  وأورده كذلك البخاري

[3] صحيح مسلم - (ج 13 / ص 296)

 

[4] تفسير الرازي - (ج 11 / ص 236)

 

[5] زنابق الروح للصرمي

[6] من كتاب قبسات للشيخ أحمد عساف



أضف تعليقا