أصول الأخلاق عند العلماء

قَسَّمَ ابن القيم أصول الأخلاق الحسنة إلى أربعة:" الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل.قال: لأن الصبر :يحمل على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم والأناة والرفق. والعفة :تحمل على اجتناب الرذائل، وتحمل على الحياء. وهو رأس الأمر.

والشجاعة :تحمل على البذل والندى، والإقدام وعدم الجبن والبخل، وغيره,

والعدل: يحمل على التوسط والاعتدال في كل شيء.وأما أصول الأخلاق السيئة فقال, بأنها تنقسم إلى أربعة أركان أيضا:الجهل،  والظلم، والشهوة، والغضب.

فالجهل :يُري صاحبه الحسن في صورة القبيح, والعكس .والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه. والشهوة :تحمله على الشح والبخل وعدم العفة .والغضب يحمل على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه .وملاك هذه الأربع أصلان: إفراط النفس في الضعف , وإفراطها في القوة ، فيتولد من إفراطها في الضعف المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص , ويتولد من إفراطها في القوة الظلم، والغضب ،والحدة، والفحش، والطيش ." فالأخلاق الحميدة يولد بعضها بعضا والقبيحة كذلك.

وأما الهروي فأصول الأخلاق عنده ثلاثة  العلم، والجود ،والصبر

 فالعلم :يرشد إلى المعروف.  والصبر: يحفظ عليه استدامة ذلك.  والجود :يبعثه على المسامحة بحقوق نفسه . وكل ذلك مجموعٌ في بذل المعروف وكف الأذى.

أما أركان حسن الخلق عند الغزالي فهي أربعة : فعل الجميل،والقدرة عليه، والمعرفة به ,و ميل النفس إلى الحسن . قال رحمه الله: ولم يبلغ كمال العمل بهذه الأربع إلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد1.[1]                                                                    

ونحن نرى أن أصول الأخلاق الربانية خمسة أصول سوف نتناولها في هذا الباب بالتفصيل

 وهي:  الإخلاص، ،والصدق ، والصبر، وحارساهما التوبة ، المراقبة.

فالإخلاص: باعث على الإحسان, دافع لطلب الرضوان , وبه يتم  التخلي عن القبيح والتحلي بالحسن ابتغاء وجه الله .فهو أول أصول الأخلاق فلا ينبني عمل ولا خلق للمؤمن دون الإخلاص ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : إنما الأعمال بالنيات. فالأخلاق أعمال لا تتم إلا بنية.

وأمَّا الصدق , فهو: صدق التوجه, وصدق المعاملة, وصدق القول, وصدق العمل. فمنه تتتفجر ينابيع الأخلاق ، و تستقيم الحياة وتتجذر الثقة بين أفراد المجتمع , وتعمر الأرض وينتشر المعروف , ويكف الأذى ويسود الحب والوفاء ، والجود والسخاء، والشجاعة والندى ،فلا شجاعة بغير صدق ولا سخاء بغير شجاعة.

 وأما الصبر: فبه الحلم  , والرفق , والكلمة الطيبة مع المحسن والمسيء , وفيه تحمل الأذى وكفه عن الناس .وهو من جوامع الأخلاق أيضاً.

وأمَّا التوبة والمراقبة  فهما: السياج والحافظ الذي يستعيد به العبد ثقته بنفسه وربه, ويستدرك به خطأه. فهما درعا الأخلاق في حالتي الإفراط والتفريط. بهما يتم الرجوع إلى الله, والعزم على التحلي بالخلق القويم , والتخلي عن الخلق الذميم. ففي حالة الضعف عن الخلق القويم والتولي إلى غيره من الأخلاق الذميمة , تأتي المراقبة والأوبة إلى الله , والعزيمة على الرشد. فلا توبة بغير مراقبة. وبهما تسترد العافية الأخلاقية . ولولاهما لما صفى للعبد المسلم خلق.والمراقبة لله تشمل:  المراقبة للنفس , والحراسة للقلب من أن تغتاله الآفات , أو تنتهكه الغوائل والمثبطات. إن صدق العبودية يتحقق بصدق المراقبة والتوبة. إتماماً لكل حسن وابتعاداً عن كل قبيح . وسنتناول كل أصل من الأصول السالفة الذكر بشيء من التفصيل. فكن معنا أيها الحبيب.فاليوم غراس وغداً حصاد . وعلى قدر الغرس سوف تجني . وليس من يجني حنظلا كمن يجني عنباً !! والخسارة اليوم تعوَّض ،وغداً لا تعوّض ؛

ولأن أعظم محيط تبحر من خلاله للنهوض و اللحاق بالركب الصالح والعلو معهم في الجنة ، حسن الخلق ، لذلك ندعوك أن تركب سفينته وتخوض لججهُ. فهو أثقل ما يجده المسلم في ميزانه يوم القيامة ، فإلى النهوض بالخلق القويم .

                                                    

                                        الأخلاق                         

 

تطلُّ كالفجـــرِ بالأنـــوار مشرقــةَ             لمن تلظى وبالآمالِ تـــــــبتسمُ

وتزرعُ الأنس في وجدانَِ مبتئسٍ              ولم يزل موكب الأخلاق يـزدحـــمُ

كم أطفأ الحزن المحمومُ أفئدةً                كانت تشع وفي إشراقها  نغــــمُ

وكم تأوهَ جوفُ الليل أجهــــدهُ                سَطو التمزق فالأوطان تنهزم

حتى أطلتْ على الدنيا ببسمتها                 مكارم شيّدت أركانــها الهـــممُ

فكم عليلٍ بوجه باسمٍ مَسَحَتْ                أوجاعَــــهُ وصَغيــــرٍ ماله رحم!

وكم حبيسِ ظلام قام منتفضاً                    من نورها وتوار الجهل والسقم

لها مآثر لا تحصى مشاربُها                  فالباسمون هُمُ الأقمارُ والنُّجــُـمُ

في كفها دررُ الإحسانِِ ضاحكةٌ                لمُتْعَبٍ  ومـن  الآهات تنـتــقـــمُ

لها مع الظلم صولاتٌ ومعركةُ                 فأيـنَ منهـــَـا يَفرُّ الجور والألـــمُ؟

إذا رأتْ أعْيُنُ التطفيف بسمتها                 َتفرُّ مَذْعــُـــورةً منهـا وتنهـــزِمُ

تقولُ في وجلٍ والرُّعبُ يَقتلهَا:                 يا ليتَ أنيَ من قبل التقى عَدمُ

هذي البشاشات والبسمات تقهرني              يا ويح نفسيَ فالأخلاق تلتهـــمُ

لم يبقَ لي ذرة إلا وأحرقهـــا                  الجود والعدل والإخلاص والكرم

لولا السخاءُ من الأخيارِ ما قدروا           على اجتثاثي وما غادرتُ جِسمَهُمُ

إن السخاءَ أحالَ البؤسَ مملكةً               من السُّرُورِ وذابَ القهر والورمُ

ولو تزايد هذا الخيرُلا نتحرتْ                 أحزان كل الورى أواهُ لو فَهِمُوا

لو استطعتُ أعيق الخير ما شفيتْ           نفسٌ ولكنهــــــــــا أعيتني القيــمُ

إن الأ كفُّ التي تفترُّ ضاحكة ً                   للمجهدينَ مدى الأيام تحتــــــرم

ياصاحب البسمة البيضاء مد يداً                لكي تصافحها الوديان والقمـــم

لله درُّ أكفِ الخيرِ ما شفيــــتْ                 لولاهمُ أنفسٌ المرضى ولا ابتسموا

الله يرفعُ قدرَ الباذلين فـــهــــمْ                بجودهم بينَ أصفارِ الورى رقــمُ

من يُحيي نفساً من الإتلاف محتسباً             كأنما بُعِثتْ فــي كفِّــــهِ الأمـَـــمُ

ومن تردى بأخلاق الردى و هوى            فليس يغنيهِ يـومَ المَحشَرِ الـنَّدمُ

                 يا رب بارك لهذا الخير موردهُ                   لأنـــهُ بحبــالِ اللـه مُعتصــمُ                           

 

              

 

 

 

                                



[1]أنظر المجلد الخامس من كتالب صلاح الأمة  صـــ235،236،237ـــــــــــــــــــــــــ



أضف تعليقا